باقة من كتاب الفوائد لابن القيم
اَلْعَرْش وَالْقَلْب
أُنَزِّه اَلْمَوْجُودَات وَأَظْهَرهَا وَأَنْوَارهَا وَأُشَرِّفهَا وَأَعْلَاهَا ذَاتًا وَقَدَرًا وَأُوَسِّعهَا
عَرْش اَلرَّحْمَن جَلَّ جَلَاله وَلِذَلِكَ صَلَحَ بِالْإِغْوَاءِ عَلَيْهِ وَكُلّ مَا كَانَ أَقْرَب إِلَى اَلْعَرْش
كَانَ أَنْوَر وانزه وَأَشْرَف مِمَّا بَعُدَ عَنْهُ وَلِهَذَا كَانَتْ جَنَّة اَلْفِرْدَوْس أَعْلَى اَلْجِنَان
وَأَشْرَفهَا وَأَنْوَارهَا وَأَجْلهَا لِقُرْبِهَا مِنْ اَلْعَرْش إِذْ هُوَ سَقَفَهَا وَكُلّ مَا بَعْد عَنْهُ
كَانَ اظلم وَأَضْيَق وَلِهَذَا كَانَ اسفل سَافِلِينَ شَرّ اَلْأَمْكِنَة وَأَضْيَقهَا وَأَبْعَدهَا مِنْ كُلّ
خَيْر .
وَخَلْق اَللَّه اَلْقُلُوب وَجَعَلَهَا مَحَلًّا لِمَعْرِفَتِهِ وَمَحَبَّته وَإِرَادَته فَهِيَ عَرْش اَلْمَثَل
اَلْأَعْلَى اَلَّذِي هُوَ مَعْرِفَته وَمَحَبَّته وَإِرَادَته قَالَ تَعَالَى :
" لِلَّذِينِ لَا يُؤْمِنُونَ بالأخرة مَثَل اَلسَّوْء وَلِلَّهِ اَلْمَثَل اَلْأَعْلَى وَهُوَ اَلْعَزِيز
اَلْحَكِيم
"
وَقَاتَلَ تَعَالَى ( وَهُوَ اَلَّذِي يَبْدَأ )
مُسْتَوٍ عَلَى قَلْب اَلْمُؤْمِن فَهُوَ عَرْشه وَإِنْ لَمْ يَكُنْ
أَطْهَر اَلْأَشْيَاء وَأُنَزِّههَا وَأُطَيِّبهَا وَأُبْعِدهَا مِنْ كُلّ دَنَس وَخُبْث لَمْ يَصْلُح لِاسْتِوَاء
اَلْمَثَل اَلْأَعْلَى عَلَيْهِ مَعْرِفَة وَمَحَبَّة وَارِدَة فَاسْتَوَى عَلَيْهِ مِثْل اَلدُّنْيَا اَلْأَسْفَل
وَمَحَبَّتهَا وَإِرَادَتهَا وَالتَّعَلُّق بِهَا فَضَاقَ وَأَظْلَمَ وَبَعْد مِنْ كَمَاله وَفَلَاحه حَتَّى تُعَوَّد
اَلْقُلُوب عَلَى قَلْبَيْنِ قَلَّبَ هُوَ عَرْش اَلرَّحْمَن فَفِيهِ اَلنُّور وَالْحَيَاة وَالْفَرَح وَالسُّرُور
وَالْبَهْجَة وَذَخَائِر اَلْخَيْر وَقَلَبَ هُوَ عَرْش اَلشَّيْطَان فَهُنَاكَ اَلضِّيق وَالظُّلْمَة وَالْمَوْت
وَالْحُزْن وَالْغَمّ وَالْهَمّ فَهُوَ حَزِين عَلَى مَا مَضَى مَهْمُوم بِمَا يَسْتَقْبِل مَغْمُوم فِي
اَلْحَال .
وَقَدْ رَوَى اَلتِّرْمِذِيّ وَغَيْره عَنْ اَلنَّبِيّ صَلَّى اَللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ عِنْدَمَا دَخَلَ
اَلنُّور اَلْقَلْب انفسح وَانْشَرَحَ قَالُوا فَمَا عَلَّامَة ذَلِكَ يَا رَسُول اَللَّه قَالَ اَلْإِنَابَة
إِلَى دَار اَلْخُلُود والتجاني عَنْ دَار اَلْغُرُور وَالِاسْتِعْدَاد لِلْمَوْتِ قَبْل نُزُوله
وَالنُّور اَلَّذِي يَدْخُل اَلْقَلْب إِنَّمَا هُوَ مِنْ آثَار اَلْمَثَل اَلْأَعْلَى فَلِذَلِكَ يَنْفَسِخ
وَيَنْشَرِح وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْرِفَة اَللَّه وَمَحَبَّته فَحَظّه اَلْأَعْلَى فَلِذَلِكَ يَنْفَسِخ
وَيَنْشَرِح وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَعْرِفَة اَللَّه وَمَحَبَّته فَحَظّه اَلظَّلَمَة وَالضَّيِّق .
فَائِدَة مُحْتَوَى خِطَاب اَلْقُرْآن
تَأَمُّل خِطَاب اَلْقُرْآن تَجِد مَلِكًا لَهُ اَلْمَلِك كُلّه وَلَهُ اَلْحَمْد كُلّه أزكمة اَلْأُمُور
كُلّهَا بِيَدِهِ وَمَصْدَرهَا مِنْهُ وَمَرَدّهَا إِلَيْهِ مُسْتَوِيًا عَلَى سَرِير ملحكه لَا تُخْفِي عَلَيْهِ
خَافِيَة فِي أَقْطَار مَمْلَكَته عَالِمًا بِمَا فِي نُفُوس عَبِيده مَطْلَعًا عَلَى أَسْرَارهمْ
وَعَلَانِيَتهمْ مُنْفَرِدًا بِتَدْبِير اَلْمَمْلَكَة يَسْمَع وَيَرَى وَيُعْطَى وَيُمْنَع وَيُثِيب وَيُعَاقِب
وَيُكْرِم وَيُهِين وَيَخْلُق وَيَرْزُق وَيُمِيت وَيْحِي وَيُقَدِّر وَيَقْضِي وَيُدَبِّر اَلْأُمُور نَازِلَة
مِنْ عِنْده دَقِيقهَا وَجَلِيلهَا وَصَاعِدَة إِلَيْهِ لَا تَتَحَرَّك مِنْ ذَرَّة إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا
تُسْقِط وَرَقَة إِلَّا بِعِلْمِهِ فَتَأَمَّلَ كَيْفَ تَجِدهُ يَثْنِي عَلَى نَفْسه وَيُمَجِّد نَفْسه وَيَحْمَد
نَفْسه وَيَنْصَح عِبَاده وَيَدُلّهُمْ عَلَى مَا فِيهِ سَعَادَتهمْ وَفَلَّاحهمْ وَيُرَغِّبهُمْ فِيهِ
وَيُحَذِّرهُمْ مِمَّا فِيهِ هَلَاكهمْ وَيَتَعَرَّف إِلَيْهِمْ وياكرهم بِمَا يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ تَمَامًا
وَيُحَذِّرهُمْ مِنْ نِقْمَة وَيُذَكِّرهُمْ بِمَا أَعَدَّ لَهُمْ مِنْ اَلْكَرَامَة إِنْ أَشَاعُوهُ وَمَا أَعْلَم لَهُمْ
مِنْ اَلْعُقُوبَة إِنْ عَصَوْهُ وَيُخْبِرهُمْ بِصُنْعِهِ فِي أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ وَكَيْفَ كَانَتْ عقابة
هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ .
وَيُثَنَّى عَلَى أَوْلِيَائِهِ بِصَالِح أَعْمَالهمْ وَأَحْسَن أَوْصَافهمْ وَيَذُمّ بِالْإِغْوَاءِ بِسُوء
أَعْمَالهمْ وَقَبِيح صِفَاتهمْ وَيَضْرِب اَلْأَمْثَال وَيُنَوِّع اَلْأَدِلَّة وَالْبَرَاهِين وَيُجِيب عَنْ
شِبْه أَعْدَائِهِ أَحْسَن اَلْأَجْوِبَة وَيُصَدِّق اَلصَّادِق وَيَكْذِب اَلْكَاذِب وَيَقُول اَلْحَقّ وَيَهْدِي
اَلسَّبِيل وَيَدْعُو إِلَى دَار اَلسَّلَام وَيَذْكُر أَوْصَافهَا وَحُسْنهَا وَنَعِيمهَا وَيَحْذَر مُنْذُ ار
اَلْبَوَار وَيَذْكُر عَذَابهَا وَقُبْحهَا وَآلَامهَا وَيَذْكُر عِبَادَة فَقْرهمْ إِلَيْهِ وَشِدَّة حَاجَتهمْ
إِلَيْهِ مِنْ كُلّ وَجْه وَأَنَّهُمْ لَا عَنَى لَهُمْ عَنْهُ طَرْفَة عَيْن وَيُذَكِّر غِنَاهُ عَنْهُمْ وَعَنْ جَمِيع
اَلْمَوْجُودَات وَأَنَّهُ اَلْغِنَى بِنَفْسِهِ عَنْ كُلّ مَا سِوَاهُ وَكُلّ مَا سِوَاهُ فَقِير إِلَيْهِ .
بِنَفْسِهِ وَأَنَّهُ لَا يَنَال أَحَد ذَرَّة مِنْ اَلْخَيْر فَمَا فَوْقهَا إِلَّا بِفَضْلِهِ وَرَحْمَته وَلَا
ذَرَّة مِنْ اَلشَّرّ فَمَا فَوْقهَا إِلَّا بعدلة وَحِكْمَته وَيَشْهَد مِنْ خِطَابه عِتَابه لِأَحْبَابِهِ
أَلْطَف عِتَاب وَأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ مقيل عَثَرَاتهمْ وَغَافِر زَلَّاتهمْ وَمُقِيم أَعْذَارهمْ وَمُصْلِح
فَسَادهمْ وَالدَّافِع عَنْهُمْ وَالْمُحَامِي عَنْهُمْ وَالنَّاصِر لَهُمْ وَأَنَّهُ وَلِيّهمْ اَلَّذِي لَا وَلَّى
لَهُمْ سِوَاهُ فَهُوَ مَوْلَاهُمْ اَلْحَقّ وَنَصِيرهمْ عَلَى عَدْوهمْ فَنِعَم اَلْمَوْلَى وَنِعْمَ اَلنَّصِير
فَإِذَا شَهِدَتْ اَلْقُلُوب اَلْقُرْآن مَلِكًا عَظِيمًا رَحِيمًا جَوَادًا جَمِيلًا هَذَا شَأْنه فَكَيْفَ
لَا تُحِبّهُ وَتُنَفِّس فِي اَلْقُرْب مِنْهُ وَتُنْفِق أَنْفَاسهَا فِي اَلتَّوَدُّد إِلَيْهِ وَيَكُون أَحَبّ
إِلَيْهَا مَنْ كُلّ مَا سِوَاهُ وَرِضَاهُ آثَرَ عِنْدهَا مِنْ رِضَا كُلّ مَا سِوَاهُ ?
وَكَيْفَ لَا تلهج
بِذِكْرِهِ وَيَصِير جَبَّهُ وَالشَّوْق إِلَيْهِ وَالْأُنْس بِهِ هُوَ غِذَاؤُهَا وَقُوَّتهَا دَوَاؤُهَا بِحَيْثُ أَنْ
فَقَدَتْ ذَلِكَ فَسَدَتْ وَهَلَكَتْ وَلَمْ تَنْتَفِع بِحَيَاتِهَا .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق